|
|
||
|
|
|
|
| ميلة عبر التاريخ ميلة في العهد القديم تعتبـر منطقـة ميلـة مـن المناطـق النوميديـة العريقـة فـي الشـرق الجزائـري وهـي تقـع بيـن جبـال لميـة و سيـدي إدريـس ، و جبـال عقـرب مـن الجنـوب ، و جبـال زواغـة مـن الغـرب ، و تموجـات الهضـاب العليـا مـن الشـرق و تتخللهـا مساحـات سهليـة شاسعـة خصبـة صالحـة للفلاحـة و تربيـة المواشـي و تكثـر فيهـا البساتيـن و الحدائـق و أشجـــــار التفـاح و الإجـاص لتوفـر الميـاه بالمنطقـة و غزارتهـا و يقـع مقـر مدينـة ميلـة في شمـال غـرب مدينـة قسنطينـة و لا يبتعـد عنهـا إلا بنحـو خمسيـن كلمتـر و
هي مسافـة قصيـرة ، لا تشكـل عائقـا للتأثيـر الحاضـري و التنقـل البشـري بينهمـا و
لهذا فممـا لا شـك فيـه أن منطقـة ميلـة تكـون قد عرفـت
الاستقـرار البشـري المبكـر ، و التجمعـات السكانيـة قبـل الاحتـلال الرومانـي
لبلاد المغـرب كمـا تـدل على ذلـك النقـوش الليبيـة و البونيـة المزدوجـة التي
أكتشفـت في ميلـة و إنهـا كانـت تشمـل على قرى و بوادي تقطنهـا
القبائـل النوميديـة ، وبعـض الجاليـات البونيقيـة فقـد عرفـت مدينـة ميلـة حضـارات
مختلفـة و عناصـر متنوعـة إذ سكنهـا النوميديـــــن و استقـروا بهـا و على الرغـم
من عـدم توفـر المصـادر التاريخيـة التي تشيـر إلى عمـران النوميدين و إلى مظاهـر
حياتهـم الاجتماعيـة و الاقتصاديـة في هذه الحقبـة من الزمـن فإننـا لا نستبعـد أن
تكـون ميلـة تابعـة إداريـا و سياسيـا لمملكـة نوميديـا و
إلى عاصمتهـا مدينـة " سيرتـا " و كـان سكانهـا في هذه الفتـرة لا
يختلفـون عن سكـان العاصمـة الإقليميـة في العناصـر البشريـة و في التنظيـم
الاجتماعـي و الاقتصـادي و نمـط العيـش ، و تكـون مدينـة ميلـة قد استفـادت من تأثيـرات و لعـل مدينـة ميلـة كانـت قريـة صغيـرة أو قلعـة عسكريـة أماميـة مع مدينـة تيديـس التي عرفـت حضـارة ما قبـل التاريـخ لحمايـة مدينـة سيرتـا عاصمـة المملكـة النوميديـة و مساعدتهـا في حروبهـا ، و هو الشـيء الذي زاد في أهميتهـا كقلعـة عسكريـة و مكانـة اقتصادية تدافـع عن المملكـة و بالإضافة إلى ما ذكرنـاه فإن موقـع مدينـة ميلـة في التـل و بالقـرب من الموانـي الساحليـة و المـدن الداخليـة جعلهـا تشكـل المحـور الذي تتلاقـي فيـه شبكـة الطرق المؤديـة إلى عاصمـة الإقليـم و التي تعـد محطـة رئيسيـة للقوافـل التجاريـة و سوقـا عالميـة ، تستفيـد منهـا المناطـق و المـدن المجـاورة لهـا و لعـل ما يمكـن قولـه أن مدينـة ميلـة تعـد من المـدن العريقـة في الشـرق الجزائـري ، لـم يتغيـر موضعهـا بتغييـر المدنيـات و الحضـارات و العناصـر التي تعاقبـت عليـها فقـد كانـت مدينـة ميلـة مثـل غيرهـا من المـدن المجـاورة لمدينـة سيرتـا تدور في فلكهـا و تعتبـر في نفـس الوقـت الخـط الأمامـي و العمـق الإستراتيجـي و الظاهـر أن المـدن النوميديـة و قراهـا بصفـة عامـة و القريبـة من سيرتـا بصفـة خاصـة كـان يسيـر إداريـا و يديـر شؤونهـا الاجتماعيـة و السياسيـة مجلـس على غرار المجالـس التي عرفتهـا مدينـة سيرتـا ،و هو نظـام " الشوفيـت " الثـلاث القرطابـي الأصـل إبتدءا من القرن الثالـث قبـل الميلاد كانـت مدينـة
تسمـي في هذه الفتـرة "ملـو" و هو اسم فيهـا يبـدو كان يطلـق على ملكـة
ميليـة نوميديـة قديمـة و يؤكـد هذه الفرضيـة التمثـال الذي أكتشـف مؤخرا في الحفريـات التي قـام بهـا بعـض الأثرييـن في المدينـة كمـا عرفـت مدينـة ميلـة أيضـا أسمـاء أخرى مختلفـة ، تدل على أن هذه المدينـة ، قد تداول الحكـم عليهـا كثيـر من الأمراء ،و من أشهـر هذه الأسمـاء ميـلاف ، ميلوفيثانيـا ، ميلويـوم ، ميلويـن ، ميديـوس ، ميلا ، وميلـة وعندمـا
فتحهـا العرب المسمـون ، أطلقـوا عليهـا اسم " ملاح" غيـر أمهـم فضلـوا
استعمـال اسمهـا القديـم " ميلـة " و هو تحريـف
للاسـم الرومانـي " ميلاف " أو تعريـب له و هي ميـزة تميـز بهـا العرب
المسلمـون بحيـث كانـوا يستعملـون الأسمـاء القديمـة للمدن الرومانيـة أو
البيزنطيـة التي يحولونهـا إلى مـدن إسلاميـة مع تحريـف بسيـط حتى يسهـل عليهـم
نطقهـا فمـن الطبيعـي و الحالـة هذه أن يمتـد سلطانهـم إلى المناطـق و المـدن التي كانـت تتبـع قسنطينـة ، وتدور في فلكهـا ،و لا سيمـا القريبـة منهـا مثـل ميلـة و تيديـس و بونوارة و غيرهـا و صـارت مدينـة قسنطينـة منـد هذا الاحتـلال عاصمـة لكنفدراليـة المستعمـران الأربـع .التي تجمـع تحـت لوائهـا كل من مدينـة و القـل و سكيكـدة و كـان لكـل مستعمـر حسـب الإدارة الرومانيـة نظامهـا الخـاص بهـا ، في تسيـر شؤونهـا بينهـا كانـت العاصمـة الإقليميـة مدينـة قسنطينـة تتولى الدفـاع عنهـا و تعيـن لهـا القضـاة و الـولاة
اهتـم الرومـان بتخطيـط مدينـة ميلـة و تعميرهـا ، فجلبـوا إليهـا الميـاه من المناطـق المجـاورة كما أنشـأوا الدور و القصـور و الأبراج و الأسوار ، و تشييـد شبكـة الطرق و المواصـلات داخـل المدينـة و خارجهـا ، و ربطـها بمدن تقـع على الخـط الأفقـي ، الممتـد منهـا إلى مدينـة قسنطينـة شرقـا ، وإلى سطيـف في الجنـوب الغربـي و تأسيـس خطـوط عموديـة أخرى تربطهـا بالمواني الساحليـة في القـل و سكيكـدة و بجايـة و غيرهـا ، لأن الرومـان جـاءوا للاستيطـان و الاستقـرار و مراقبـة سكـان الجبـال و البوادي ، المحيطـة بمدينـة ميلـة و التحكـم في المنطقـة حتي تسهـل لهـم هذه الطـرق التدخـل السريـع لحمايـة مصالحهـم في حالـة مهاجمـة القبائـل النوميديـة و تدعيـم أمنهـم المرتبـط بسلامـة هذه المـدن و القـلاع و الحصـون وقد صـارت مدينـة ميلـة دائـرة للحكـم العسكـري و قاعـدة هامـة لحمايـة مدينـة قسنطينـة من الثورات المحليـة و من الهجومـات الخارجيـة شيـد الرمـان
ميلـة من حجـارة و صخـور الجبـال المحيطـة بهـا كمـا حفـرت بها
الآبـار و العيـون و أقيمـت بالقـرب منهـا بعـض السـدود الصغيـرة لسقـي الحقـول
التي اشتهـرت بها المنطقـة حتى سميـت ميلـة بمملكـة القمـح و
الألبـانعمـل الرومـان على نشـر الديانـة المسيحية
في المدينـة ، خاصـة في القـرن الثالـث الميلادي حتي صـارت معقـلا من معاقـل
المسيحيـة في المدينـة ، في المنطقـة و نظـرا للأهميـة التي أصبحـت تكتسبهـا مدينـة
ميلـة في هذا المجـال أختـارها رجـال الديـن و القسـاوسـة لتكـون مقرا
لمؤتمريـن هاميـن لرجـال الديـن المسيحي التقى فيـه أساطيـن المسيحيـة و فقهاؤهـا ،
فكان المؤتمر الأول سنــة 402 ق. م و انعقد المؤتمر الثاني في أواخر سنة 416 ق. م و قد
أشرف على هذين المؤتمرين الفيلســوف بليت مدينة ميلة في الأخير بالإحتلال
الوندالـي في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي ، كما تعرضت للغزو البزنطي خلال
القرن السادس الميلادي و يبدوا أن البيزنطييـن جددوا بناء أسوارها و أبوابها و
منشآتها و عملوا على إرهاق السكان
بالضرائب و المغارم الباهضة و بالإضطهاد الديني و الإجتماعي ، مما جعلهــم ظلت مدينة ميلة تخضع للروم إلى نهاية القرن السابع الميلادي ، و هو التاريخ الذي بدأت فيه
الطلائع الأولـى ميلة إبان الفتح الاسلامي على عكس مدينة قسنطينة
التي أهمل المؤرخون و الإخباريون تحديد تاريخ دخولها إلى دائرة العرب و الإسلام فان
مدينة ميلة كان لها الحظ في ذلكفقد خصها المؤرخ
المصري أبو المحاسن إبن ثغري بردي ( ت 874 عـ /1469 م ) صاحب كتاب
"حسـن و الظاهر أن أبا المهاجر ، بحكم نشأته بالديار المصرية كان مطلعا على أحوال بلاد المغرب ، عارفا بطبائع أهلية ، مدركا لتضاريسه و مسالكه ، وربما هذا هو السبب الذي جعله يتخد سياسة مغايرة لسياسة سلفه ، التي كانت تتسم نوعا ما بالعنف و الصرامة و التصلب من جهة و الابتعاد عن مراكز التجمعات البشرية في الشمال فرأى بحنكته السياسية و ببعد نظره ، أن يقترب من الأهالي و أن يسلك معهم سلوكا لينا حتى يطمئنوا إليه و بالتالي يعتنقون الدين الجديد ، وينضمون إلى صفوف المسلمين ، فيجعل منهم جيشا قويا يكون سندا للإسلام و المسلمين في ضرب الروم و دحرهم و إخراجهم من بلاد المغرب و لما وصل القائد أبو المهاجر دينار إلى مدينة القيروان و تسلم الولاية لم يمكث بها طويلا بل تحول إلى حيث توجد التجمعات السكانية الكثيفة في إفريقية و إستقر بها و بنى مدينة أخرى بالقرب من هذه التجمعات و أطلق عليها اسم ذكرور أو تاكروانت كما أشارت بعض المصادر استطاع أبو المهاجر بهذه السياسة الجديدة مع أهل المغرب أن ينجح نجاحا كبيرا ، إذ تقدم بفتوحاته إلى المغرب الأوسط ،ففتح بلاد كتامة (بالشرق الجزائري متخذا في ذلك طريق التل ، و هو الطريق البيزنطي الرابط بين مدن تبسة ـ قالمة و ميلة و عندما وصل إلى هذه الأخيرة و حاصرها حصارا محكما و أناخ عند منافذها ،و قطع عن أهلها الماء حتى استسلموا له فسقطت مدينة ميلة في يده ، فدخلها أبو المهاجر دخول المنتصر ، واستقر بها سنة 59ه /680م و كانت مدينة ميلة محصنة تحصينا قويا بأسوار عالية ،و أبراج شاهقة و مدعمة بحامية بيزنطية قوية ، و تعد من المراكز العسكرية الرومية الهامة في إقليم كتامة ،و هي إحدى المدن الأمامية لمدينة قسنطينة و إحدى نقاطها الدفاعية و عمقها الإستراتيجي مع جارتها مدينة تيديس ،و ربما لهذا السبب أطلق عليها اسم قسنطينة الصغيرة لمجاورتها و قربها لها و حينما فتح أبو المهاجر دينار مدينة ميلة فضل النزول بها و حول مقر إقامته و إدارة و لايته و مركز قيادته من مدينة دكرور الجديدة إلى مدينة ميلة المفتوحة التي صارت عاصمة الولاية المغربية لمدة سنتين كاملتين ،و هي المدة التي قضاها أبو المهاجر بأرض كتامة و حاضرتها ،و بالتالي أصبحت مدينة ميلة مركزا لنشر الدين الإسلامي و القاعدة التي يدير منها شؤون الولاية و يسوس المنطقة ميلة في عصر الولاة أنتقل إلى مدينة ميلة في هذا العصر الدور الذي كانت تلعبه مدينة قسنطينة في المنطقة قبل الفتح ،و صارت ميلة في وقت قصير مقرا إداريا و عسكريا له أهميته ، ملحقا بالقيروان مباشرة دون وسيط يعين عليها عاملا من قبل والي القيروان ليدير شؤون الإقليم و يجمع من أهلها الضرائب و الجبايات و الخراج و إرسال الفائض إلى بيت مال القيروان فقد كانت تقيم بمدينة ميلة حامية عسكرية من الشاميين و أخرى من الخراسائيين للدفاع عن المدينة و عن نفوذ السلطة المركزية ،و التصدي لهجومات سكان الجبال المحيطة بها و الذين كانوا يثورون على حاكم مدينة ميلة من حين لآخر و يرفضون دفع الجبايات لم تسلم مدينة ميلة مثل غيرها من حواضر إفريقية و المغرب من التيارات الفكرية و المذهبية التي سادت المنطقة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي ، إذ سادها المذهب السني ، و هو مذهب الأغلبية ثم ظهرت فرق و مذاهب أخرى انتقلت من بلاد الشرق مع الفاتحين و النازحين إلى بلاد المغرب هروبا من السلطة المركزية بدمشق في عهد الدولة الأموية و من سلطة بغداد في عهد الدولة العباسية (34) و لا سيما فرقتي الخوارج الصفرية و الإباضية الذين تمكنوا من استغلال تذمر الرعية من سياسة بعض ولاة بني في بلاد المغرب ، فأحدثوا رد فعل قوي ضد بني أمية و عمالهم و فجروا ثورة المغربيين الأقصى ثم الأوسط ، و استقلوا بهما عن الخلافة الأموية سنة 122/739م فقد أخد داء هذه الثورة بقيادة مسيرة المطغري ثم خالد بن حميد الزناتي يشتري شيئا فشيئا في الديار المغربية من أقصاها إلى أقصاها ، و مجالها يتسع و ينتشر مع مرور الأيام إلى أن وصلت إلى البلاد الإفريقية ولعل هذا هو السبب الذي جعل عبد الرحمن الفهري إمير إفريقية حينئد يقوم ببعض الإجراءات بمحاربة الخوارج و التصدي لأفكارهم و مبادئهم و أبعاد خطرهم عن منطقة نفوده و بدأها بتعيين بعض العمال الأقوياء الأكفاء في المناطق الإستراتيجية و الحساسة في غرب إفريقية ، فقلد مصال بن حماد مدينة ميلة فتصدي هذا الأخير للخوارج و حاربهم بعنف حتى إستطاع أن يبعد خطرهم عن المنطقة و عن إقليم نفود الفخري و فرض الضرائب على السكان و اجبرهم على دفعها ،وقد ساعده في تطبيق هذه السياسة الحامية الشامية المرابطة بمدينة ميلة و المستقرة في الناحية الجنوبية الغربية منها ، حيث توجد التحصينات العسكرية القوية و لعلها قصبة المدينة وعلى الرغم من نجاح الخوارج الصفرية في الاستيلاء على المغربين الأوسط و الأقصى و على بعض المناطق في إفريقية و دخولهم القيروان حاضرة الولاية سنة 755/139م بقيادة عاصم بن جميل الورفجوني ، إلا أن الخوارج الأباضية كانوا لهم بالمرصاد بحيث ثاروا ضدهم و أخرجوهم من القيروان عنوة سنة 141/758م بقيادة أبي الخطاب عبد الأعلى و صارت لهم إفريقية بما فيها بلاد كتامة و عاصمتها مدينة ميلة غير أن الخوارج الأباضية لم يحافظوا على هذه الانتصارات ،و لم يتمتعوا بها و بنفوذهم على بلاد إفريقية طويلا، فقد أزاحهم منها الجيش العباسي ، بقادة محمد بن الأشعت الخزاعي سنة 144/762م و قضى على إمامتهم بالقيروان و طرابلس ،بعد ثلاث سنوات فقط من ظهورها ، في معركة ضارية نشبت بين الفريقين بشرق طرابلس راح ضحيتها الإمام أبو الخطاب نفسه و جملة من خيرة ضباطه و أنصارهم ،و عادت بعد ذلك إفريقية إلى حظيرة الدولة العباسية و عاد إليها ولاتها و مهما يكن من أمر ، فإن ما تجدر الإشارة إليه هو أن سكان مدينة ميلة و من جاورها ، لم يعتنقوا المذهب الخارجي فيما يبدو سواء كان المذهب صفريا أو إباضيا خلال سيطرتها على إفريقية كلها مدة ست سنوات و على الرغم من وجود بعض الإشارات التي تدل على وجود بعض من اعتنقوا هذا المذهب بالمدينة فإن مذهب الأغلبية هو المذهب السني و إن فقاءها حاربوا غيرة بشدة سيما عندما ساد مذهب مالك بن أنس و الظاهر أنهم كانوا يؤدون لهم الولاء السياسي فقط في هذه الفترة الزمنية القصيرة و ليس الولاء المذهبي ، فالنصوص التاريخية التي بين أيدينا و المصادر المذهبية لا تشير إلى ذلك صراحة فسرعان ما عادت البلاد الإفريقية إلى حظيرة الخلافة العباسية و عاد إليها و لاؤها السياسي و المذهبي و في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري الموافق لنهاية القرن الثامن الميلادي ، ثار بعض القادة الخراسانيين ضد السلطة في القيروان بقيادة عبد الله بن الجارود المعروف بعبدوية و كانت لهم انتصارات كثيرة على جند تونس و القيروان و غيرهما من مدن إفريقية و أزالوا بذلك حكم الأسرة المهلبية التي حكمت إفريقية مدة من الزمن زادت عن ربع قرن و كان صاحب مدينة ميلة حينداك القائد مالك بن المنذر الكلبي الذي لم يتوان في مساعدة السلطة المركزية بالقيروان ، فهب لنجدتها بجيش كثيف جمعه من أهل كتامة و من حامية ميلة و اتجه نحو مدينة تونس ، فستولي عليها و مكث بها نحو شهرين بمقاتلتهم و إخراجهم من مدينة تونس لكنه لم يكترث بذلك ، فخرج أصحاب مالك إلى القرى و البوادي و بقي هو مع قليل من جنده بمدينة تونس الذين جاء بهم من مدينة ميلة و لما سمع إبن الجارود بذلك ، تقدم نحو مدينة تونس يريد مالكا فتصدى له هذا الأخير في نحو ألفيين من فرسانها ، فاقتتلوا قتالا شديدا و كان النصر فيه لأصحاب إبن الجارود ، و عندما أحس مالك بن المنذر بتفوق خصمه عليه نجمع جموعه و حمل على خصمه حملة قوية و هو يقول يا موت إني مالك بن المنذر أمسك حسن البيض و السنور أقتل من صابر و من
لم يصبر فرد عليه إبن الجارود بحركة قوية و هو يردد مالك بن المنذر إني
قتلت رب المنبر جرعته كأس حمام أحمر فأصبر ستلقاه و إن
لم تصبر و بعد هذه المحاورة تقدم مالك بن المنذر للنزال فتعرض له رجل من أصحاب إبن الجارود فقتله ، فتفرق جيشه و عادت فلولة إلى مدينة ميلة و كان والي طبنة حينذاك يترقب الأحداث عن كثب ، و يتبع أخبار إبن الجارود و انهزام جيش ميلة بقيادة مالك بن المنذر فتقدم نحو القيروان للدفاع عن السلطة المركزية و ترصد لإبن الجارود و عجل بالتصدي له و لجنده و تمكن من هزيمة فمحا بذلك آثار هزيمة مالك ، و تحقق النصر للسلطة المركزية بالقيروان على يديه ،و هو الأمر الذي فشل فيه زميله صاحب مدينة ميلة و لعل هذا هو السبب الذي زاد مدينة طبنة خطوة عند أمراء القيروان و تضاعف اهتمامهم بها في هذه الفترة فاعطوا لحاكمها صلاحيات واسعة و دائرة نفوذ كبيرة و احدثوا تنظيما إداريا جديدا لافريقية فأضافوا إلى بلاد الزاب مناطق و مدن جديدة بحيث صارت هذه الولاية تمتد من بسكرة جنوبا إلى أرض كتامة شمالا ، ومن تخوم المغرب الأوسط غلابا إلى أطراف الأوراس شرقا وهكذا صارت مدينة طبنة عاصمتها لولاية شاسعة مترامية الأطراف فأصبحت مدينة ميلة ضمن إقليم الزاب و جزءا منه تتبع مدينة إداريا بعد أن كانت تتبع القيروان مباشرة فنقصت أهميتها الإدارية في عهد الدولة الأغلبية و تراجعت عما كانت عليه في عصر الولاة و أصبح والي الزاب يعين مباشرة من قبل الخليفة العباسي فقد عين هارون الرشيد إبراهيم بن الأغلب على الزاب سنة 181/797م، و نصب في نفس السنة محمد بن مقاتل العكي واليا على إفريقية فقد أصبح لمدينة طبنة دور الإشراف و التوجيه الأقليمي في منطقة شاسعة و متنوعة العناصر و الخيرات و الظواهر الجفرافية و صارت تشمل إلى بلاد الزاب ،و بلاد الجريد ،و قاعدته مدينة بسكرة و الأوراس و حاضرته مدينة باغاي و الشمال القسنطيني و أرض كتامة و عاصمتها مدينة ميلة ثم منطقة طبنة ، التي تتاخم إقليم لمسيلة و كان لمدينة طينة بابان الأول يدعى باب تهودة ، و الثاني سمى باب كتامة و يؤكد لنا المؤرخ و الجغرافي اليعقوبي ، إتساع رقعة ولاية الزاب بقوله ( و مدينة الزاب العظمى طبنة ،و هي التي ينزلها الولاة ،و بها إخلاط من قريش و العرب و الزاب بلد واسع فمنه مدينة قديمة يقال لها باغاية حولها قوم بربر عجم ،يقال لهم نفزة بجبل جيجل يقال له الأوراس ،و مدينة عظيمة يقال لها ميلة عامرة محصنة لم يلها قط و لها حصن دون حصن فيه رجل من بن سليم يقال له موسي بن العباس بن عبد الصمد و مدينة يقال لها نقاوس مدينة كثيرة العمارة و الثمر و مدينة طبنة مدينة الزاب العظمي و مدينة مقرة لها حصون كثيرة و مدينة أربة و هي آخر مدن الزاب مايلي المغرب في آخر أعمال بن الأغلب و يتضح مما سبق أن مدينة ميلة أصبحت في نهاية عصر الولاة مدينة تدور في فلك طبنة عاصمة الزاب في التنظيم الإداري الجديد الذي أحدثته إدارة الولاية العباسية بإفريقية ،و كانت الحاميات المرابطة في المدن المشهورة بإفريقية مثل القيروان و تونس و طبنة و ميلة من أصول قيسية و يمنية و من بني ربيعة بالإضافة إلى الجند المحليين من كتامة و غيرها من القبائل المغربية و من أهل خراسان ميلة في عهد الفاطميين و لما تربع عبيد الله المهدي على عرش إفريقية و استلم زمام الأمور بها أخد يعمل علىتركيز السلطة في يديه و يبعد كل من يشك فيه ثم بدأ يرتاب من ولاء أبي عبد الله الشيعي صانع ملكه ، و صاحب انتصاراته ، و كانت النتيجة في النهاية أن أقدم على قتل أبي عبد الله و أخيه أبي العباس سنة 298/910م، فثارت ثائرة أهل كتامة و خلعوا طاعة الخليفة الفاطمي و قدموا على أنفسهم غلام حدثيعرف بالمارطي ، و إسمه كادوبن معارك و زعموا أنه المهدي المنتظر ، و نحلوه النبوة و قالوا بأن الوحي يأتيه و نصب له الدعاة كدعاة المهدي و ذكروا بأن أبا عبد الله لم يمت ، فالتف حولهم ، عامة كتامة معتقدين بذلك ، ثم نهضوا إلى مدينة ميلة ، و زحفوا عليها و استولوا على دخائرها و مكثوا بها بعد أن طردوا واليها منها أخذ أمر هؤلاء الثوار ينتشر ،و أمرهم يقوى في أرض كتامة و يزداد و إمتد نفوذهم إلى بلاد الزاب ، فانضمت إليهم بعض القوات الكتامية التي تعمل في جيش عبيد الله المهدي فسير إليهم الخليفة المهدي إبنه أبي القاسم وولى عهده في جيش كثيف ،استطاع به أن يعيد الهدوء إلى مدينة ميلة و غيرها ، من مدن بلاد كتامة و الزاب و أن يسترجع نفوذه عليها و أن يطرد سكان مدينة ميلة و تهجيرهم نحو السواحل الشمالية و قتل منهم عددا كبيرا و أخذ الغلام المهدي إلى مدينة المهدية و قتله ميلة في عهد الزيريين عندما
عزم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ( 975-342/365/953) على الانتقال إلـى الديار
المـصرية
ولعل هذا هو السبب الذي جعل كتامة لا تخضع للزيريين بعد ذلك ،وأن ولائها لهم
ظل ضعيفا لأنها كانـت فقد قام سكان مدينة ميلة سنة 378/988 م بثورة ضد العاهل
الزيري المنصور بن أبي الفتوح(387/984-373)، وامتنعوا عن دفع الضرائب ، فزحف إليهم
صاحب إفريقية بجيش كبير أعب أهل كتامة ، وحينما اقترب من مدينة خشي أهلها من بطش
المنصور ، فخرجت النساء والعجزة والأطفال ،كما تشير الرواية يتوسلون ويتلطفون،
فأوقف المنصور الزحف، عندما رأى ذلك المنظر المؤتمر، أعطى أوامره ، بأن لا يمس أحد
بسوء والظاهرأنه منذ هذا التاريخ بدأت مدينة ميلة تفقد أهميتها الإدارية والعسكرية في المنطقةوصارت تخضع
لحاكم ميلة في عهد الحماديين
وادا
كانت السنوات الأ
خيرة من القرن الرابع الهجرى الموافق للعاشرالميلادي بالنسبة لمدينة،هي فترة اضطراب
واضمحلال وضعف ،بحيث أقل وتقلصت أهميتها،بتعرضها الى ضربات السلطة المركزية،فأن
القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي بدأت تنتعش فيه هده المدينة،وتتطور
وتزدهر،بتطور عمرانها وازدياد عدد سكانها وباهتمام الولاة والأمراء بهافعادت لها
أهميتها الادارية ووزنها في المنطقة وصارت مقرا رئيسياللحاكم الحمادي تتبع مدينة
بجاية عاصمة بني حماد حينداك
وأصبحت
من القاليم التابعة للدولة الحمادية في نهاية القرن الخامس الهجري الحادي عشر
الميلاديوكان بنو
هلال قد حاصروها في هده الفترة عدة مرات وهاجموها، الا أن سكانها صدموا لهده
الهجومات وقاوموهمو تصدوا لهم بكل قوة وعناد وردوهم على أعقابهم،فلم يتمكن هؤلاء
الأعراب من دخول المدينة،واقتحام أسوارها ،وانما استطاعوا السيطرة على الأقاليم
والجبال المحيطة بها،وكانت قبائل بني هلال الزاحفة على افريقية قدإ ستولت على
معظم ممتلكات
الدولة الزيرية وأراضيها حتى انحصر نفودها وسلطانها الى السواحل الشمالية، وكان
الصراع علىأشده بين حماد(1028-419/1007-398م)والمعزبن باديس (1015-453/997-406)على
أراضي كتامة في غرب افريقية،فقداستطاع المعز أنيعيد نفوده الى سطيف وتيجيس وميلة وقسنطينة سنـة 408/999و لكن سرعان ما استر جع حماد
الصنهاجي هذه المناطق والمدن إلى أملاك دولته خلال القرن الخامس الهجري ، الحادي
عشر الميلادي و قد ساعد تغلب
القبائل العربية على أغلب أقاليم الدولة الزيرية ، الدولة الحمادية في مد نفوذها ،
و توسيع رقعتها إلى أن وصل إلى بسكرة في الجنوب الشرقي و مدينة تونس في الشمال
الشرقي و حسبي هنا أن أتعرض
إلى بعض ما ذكره الجغرافيين و الرحالةالمسلمين في وصف مدينة ميلة في هذه الفترة ، حتى تتضح لنا أهميتها في المجالات
المختلفة فقد وصفها البكري بقوله عليها سور صخر اليوم ، و حولها ربض و بها جامع و
أسواق و حمامات و المياه تطرد حولها سكنها العرب و الجند المولدون ، و هي من غرر
مدن الزاب ، و تسير من مدينة مياة إلى مرسى الزيتونة و هو جبل جيجل و قد قال عنهاالإدريسي
بأنها حسنة كثيرة الأشجار ممكنة الثمار ، و فواكهها كثيرة و محاسنها ظاهرة و مياهها
غرقة ، و أهلها أخلاط البربر جملة ، و العرب تحكم بخارجها ، و كانت في طاعة يحي بن
العزيز ، صاحب بجاية و تحدث عنها صاحب
الإستبصار (6/12م) بقوله : مدينة ميلة مدينة أزلية
،فيها بعض آثار الأول تدل على أنها كانت مدينة كبيرة ، و هي الآن عامرة آهلة كثيرة
الصخب ، رخيصة السعر ، على نظر واسع و قرى عامرة ، و ميلة كثيرة الأسواق و المتاجر عليها سور صخر جليل من بناء
الأولين ، و في وسط المدينة عيناخرارة عذبة من بناء الأوائل لها سرب كبير يدخل فيه
، فلا يوجد له آخر … و بالقرب من ميلة جبل العنصل يسمى
اليوم جبل بني زلدوي و هم قبائل كثيرة من البربر ، و هو أخصب جبال إفريقيا و يتضح مما سبق أن مدينة ميلة في العهد الحمادي كانت
تتمتع بنهضة إقتصادية و نشاط تجاري دؤوب ساعدها في ذلك الأراضي الزراعية الخصبة
المحيطة بها بالإضافة إلى أنها تقع في ملتقى الطرق التجارية التي تربطها بالمدن
الإفريقية الأخرى الداخلية منها و الساحلية مثل قسنطينة ،سطيف ،جيجل ، القل ،سكيكدة
،بجاية .
ميلة في عهد الموحدين والحفصيين
تمكن عبد
المؤمن الموحدي من توسيع رقعة دولته نحو المغرب الأوسط ثم إفريقية سنة 546هـ /
1153مـ و بسط نفوذه و سلطانه بقواته العسكرية على الحواضر المغربية الكبرى مثل
تلمسان و الجزائر ثم ميلة و قسنطينة سنة 548هـ و لعل مدينة قسنطينة
كانت في هذه الفترة ذات أهمية معتبرة و أن دورها كعاصمة للإقليم بدأ يعود إليها
تدريجيا و بالتالي صارت ميلة في درجة أقل منها إداريا و
عسكريا و لكنها ظلت عمقا إستراتيجيا و نقطة دفاع أساسية أمامها و أن انعدام الوثائق
و المصادر التي تبرز أهمية مدينة ميلة جعلنا نفترض أن
دورها لم يكن بارزا في عهد الموحدين
و مهما يكن من أمر فإن الجدير بالذكر هو أن مدينة ميلة
ظلت تخضع للحكم الموحدي أكثر من سبعين سنة و لم تلبث بلاد المغرب أن انقسمت في
القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي إلى ثلاثة دول هي
الدولة الحفصية الدولة
الزيانية الدولة المرينية و كانت ميلة تقع في الإقليم الإفريقي التابع للدولة الحفصيةإداريا و سياسيا
فقد استطاع أبو زكريا يحي الحفصي أن يستولي على بلاد كتامة و حواضرها سنة 628هـ /
1231مـ و أصبحت مدن الشرق الجزائري تخضع للنفوذ الحفصي و صارت مدينة قسنطينة
العاصمة الثانية بعد تونس ، و كانت مدينة ميلة في هذه
الحقبة من الزمن من المدن التي تدور في فلك العاصمة الثانية و تتبعها مباشرة كانت مدينة ميلة تتعرض إلى هجومات القبائل العربية و لا
سيما في القرنين السابع و الثامن الهجريين و استقرت بها . كما كانت قبائل بني هلال
تسيطر على الأرياف المحيطة بها تأثرت مدينة ميلة بالأحداث التي كانت تدور في مدينة
قسنطينة فعندما قام السلطان أبو يحي أبو بكر بغزو مدينة بجاية و تخليصها من يد
المرينيين ، بعث إليه المنصور بن مخلوف صاحب بجاية حين ذاك بجيش حاربه حتى هزمه
فعاد السلطان الحفصي إلى مدينة قسنطينة فتبعه الجيش المرني إلى مدينة ميلة التي دخلها عنوة ثم إنتقل منها إلى حصار مدينة قسنطينة
و في سنة 757هـ /1355مـ عين السلطان أبو عنان وزيره عبد الله بن علي واليا على
بجاية ففشل الوزير في
الأستلاء على مدينة ميلة و قسنطينة فعزله
السلطان من منصبه و خرج بنفسه إلى إفريقية لتأذيب أهل ميلة و محو آثار الهزيمة . توجه أبو عنان نحو أفريقية في جيش
كثيف و في الطريق انضمت إليه الكثير من القبائل العربية و المغربية المحلية فزحف
بهم إلى مدينة قسنطينة وحاصرها حصارا محكما و حاول خلالها الحاجب نبيل فك الحصار
إلا أنه هزم في الأخير بعد 7 أشهر و بعد ذلك رجع الجيش المريني إلى مدينة ميلة و استقر بها للإستراحة سنة 758هـ /1349مـ
و هكذا كانت مدينة ميلة تتأثر بالأحداث الكبرى التي تدور في المنطقة و خاصة في
مدينتي قسنطينة و بجاية ، و أنها كانت تتبع الدولة الحفصية و تدور في فلك مدينة
قسنطينة ، فالظاهر أن أمراء قسنطينة هم الذين كانوا يعينون ولاة مدينة ميلة في العهد الحفصي ، لتسيير شؤونها السياسية و الإقتصادية،
و جلب الضرائب من أهلها و قد بلغ خراج مدينة ميلة في
القرن التاسع الهجري ، الخامس عشر ميلادي ، كما حدده حسن الوزان ، زهاء أربعة آلاف
منزل و كان سكان هذه المدينة
كثيرا ما يخرجون عن طاعة أمرائهم و يقومون بقتلهم لقسوتهم في كثير من الأحيان ، و
يمتنعون عن دفع الضريبة و قد ظلت مدينة ميلة علىهذه
الحال ، إلى أن دخلها الأتراك خلال القرن 9هـ/16م فصارت تتبع أيضا مدينة قسنطينة و
بقيت كذلك في عهد الإحتلال الفرنسي للجزائر ، إلى أن أصبحت عاصمة الولاية في
التقسيم الإداري الجديد في الثمانينات من القرن العشرين |
||
|
|
|
|
|
|
||